محمد بن جرير الطبري
186
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فلما أصبح ، جاء كأنه يطلب عمه ، كأنه لا يدري أين هو ، فلم يجده . فانطلق نحوه ، فإذا هو بذلك السبط مجتمعين عليه ، فأخذهم وقال : قتلتم عمي فأدوا إلي ديته . وجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه وينادى : واعماه ! فرفعهم إلى موسى ، فقضى عليهم بالدية ، فقالوا له : يا رسول الله ، ادع لنا ربك حتى يبين له من صاحبه ، فيؤخذ صاحب الجريمة ، ( 1 ) فوالله إن ديته علينا لهينة ، ولكنا نستحي أن نعير به . فذلك حين يقول الله جل ثناؤه : ( وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون ) . فقال لهم موسى : ( إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة ) . قالوا : نسألك عن القتيل وعمن قتله ، وتقول : اذبحوا بقرة ! أتهزأ بنا ؟ قال موسى : ( أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين ) - قال ، قال ابن عباس : فلو اعترضوا بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ، ولكنهم شددوا وتعنتوا موسى فشدد الله عليهم - ( 2 ) فقالوا : ( ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك ) - والفارض : الهرمة التي لا تلد ، والبكر : التي لم تلد إلا ولدا واحدا ، والعوان : النصف التي بين ذلك ، التي قد ولدت وولد ولدها - " فافعلوا ما تؤمرون " * ( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها قال إنه يقول إنها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ) - قال : تعجب الناظرين - ( قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي إن البقر تشابه علينا وإنا إن شاء الله لمهتدون * قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها ) - من بياض ولا سواد ولا حمرة - ( قالوا الآن جئت بالحق ) . فطلبوها فلم يقدروا عليها . وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه ، وإن رجلا مر به معه لؤلؤ يبيعه ، فكان أبوه نائما تحت رأسه المفتاح ، فقال له الرجل : تشتري
--> ( 1 ) في المطبوعة : " ادع لنا حتى يتبين " . ونص ابن كثير في تفسيره 1 : 200 " ادع لنا ربك حتى يبين لنا من صاحبه ، فيؤخذ صاحب القضية " . ( 2 ) أعنته وتعنته : سأله عن شيء أراد به اللبس عليه والمشقة .